في أطروحة حول «تحولات الفرجة المسرحية في المغرب»… محمد زيطان: لم يعد في الإمكان الحديث عن مركزية مسرحية خالصة
29qpt866

شكل موضوع «المسرح في سياق العولمة الثقافية: دراسة في تحولات الفرجة المسرحية في المغرب» موضوع أطروحة نال بها الباحث والمؤلف المسرحي المغربي محمد زيطان مؤخرا شهادة الدكتوراه، في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله ظهر المهراز في مدينة فاس، حيث حاز ميزة مشرف جدا. وكانت لجنة المناقشة مكونة من د. محمد أوراغ (رئيسا) د. يونس الوليدي (مقررا) د. عصام اليوسفي (عضوا).
في مستهل عرضه أمام لجنة المناقشة، أشار الباحث إلى أن موضوع أطروحته هو علاقة نوعية بين المسرح كفن فرجوي إنساني قديم، وبين سياقات الحداثة وما بعد الحداثة المطبوعة بالمغايرة والثورية وتعاظم صوت العولمة، الذي أصبح يتردد في كل أرجاء المعمورة، مؤثرا في مجالات الحياة الإنسانية، بما فيها المجال الفني والثقافي، ليجد المسرح نفسه في مفترق طرق حاسم، يقوده نحو تحولات فرجوية، تفتح أبوابه على اجتهادات وتجارب، فيها حوار ثقافي وتبادل وتفاعل، لذلك فإن تركيز الباحث على الثقافة في حديثه عن المسرح، يعود بالأساس إلى اقتناعه بأن هذا الأخير، شكل ولا يزال نتاجا ثقافيا خالصا، فمن الثقافة ينطلق لصنع عوالمه ورهاناته وإليها يعود، باعتباره فعلا حضاريا ومدنيا، يقوم على التفاعل الجدلي بين ثقافات أجنبية متباينة ومختلفة.
وتابع قوله، إنه أراد لموضوع أطروحته أن ينخرط بشكل أو بآخر في منظومة فكرية وثقافية أولا، ثم فنية إبداعية كونية، تحاول ملامسة قضايا جوهرية تخص كينونة المسرح وتحدياته الممكنة، من خلال البحث عن علاقات جديدة قائمة أو محتملة بين فن المسرح والعالم. لذلك سعى الباحث محمد زيطان إلى استقراء خصائص المسرح بجمالياته وشعرياته المختلفة، وأيضا برهاناته الآنية والمستقبلية في سياق هذا «الأخطبوط» الكبير الذي يصطلح عليه بـ»العولمة»، محاولا البحث عن أوجه التفاعل والتأثير، أو عن تجليات عولمة المسرح في ظل تمازج الفنون وتلاقحها، وفي ظل الانفتاح المطرد على ثقافات الغير وفنونه السمعية والبصرية؛ لاسيما أن احتكاك صاحب الأطروحة المباشر بتجارب مسرحية راهنة ـ سواء كممارس أو من خلال الدراسة الجامعية والبحوث الأكاديمية التي أنجزها سابقا- قد مكنه من الوقوف على خصائص وملامح المسرح العالمي عامة والمغربي خاصة، ومن ثم تلمس مدى حضوره داخل النسيج الثقافي والفني المعاصر، ومدى تفاعله مع رياح المستجدات الفكرية والسياسية والاجتماعية والجمالية.
حاول الباحث الوقوف عند حدود العولمة ملتمسا تعريفات لها، ومبرزا أوجهها الثقافية والفنية على المستوى العالمي، قبل أن يحدد مكانة الثقافة والفن المغربيين، وبالتالي موقع المسرح المغربي في هذه القرية الصغيرة التي شيدتها تصورات العولمة، وكيف استطاع هذا المسرح أن يتفاعل، ويأخذ عن حضارات وثقافات أخرى ـ قريبة أو بعيدة – رؤى إبداعية ومبتكرات فنية، مثلما استطاع أن ينبش في ذاكرته التراثية والفلكلورية والتاريخية ليؤصل لكيانه، ويبصم في فن مستورد أصلا بصمته الخاصة… ومن ثم، تطرق إلى مجموعة من التجارب المسرحية المغربية، في محاولة لتفكيكها ولمقاربتها من أجل الكشف عن الإستراتيجية والمناهج التي اعتمدها أصحاب هذه التجارب، قصد إبراز موقفهم الفني من علاقة المسرح المغربي بالمسرح الغربي.
وأكد أن تراكمات المسرح المغربي منذ نشأته إلى حدود الساعة، اعتمدت في الغالب على تجارب غربية، بدءا بعملية الاقتباس، ثم مرورا بعملية التبني للمدارس المسرحية الكبرى من عبثية وملحمية وتسجيلية… وللمناهج الإخراجية الغربية المعروفة، التي تهتم بالفضاء المسرحي وبجسد الممثل وبتكوينه النفسي، مثل المسرح الفقير والبيوميكانيك والبسيكودرام ومسرح القسوة… هذا يعني أن المسرح المغربي ـ مثلما يقول حسن المنيعي ـ يقوم على «ازدواجية فنية»، تتحدد أساسا عبر حضور الرافد المسرحي الغربي المهيمن بامتداداته التاريخية، وحضور فعل مسرحي مسكون بهاجس الهوية ومحاولة تأصيل الظاهرة المسرحية.
الجديد الذي سعى محمد زيطان إلى إبرازه، هو ربط المسرح عموماً والمغربي خصوصاً كمنظومة شاملة (نصوصا، عروضا، مؤسسات، تلقيا، نقدا…) بالمحيط الخارجي العام الذي لن يكون إلا نظاما جديدا صار يحكم العالم بأسره، هو نظام العولمة؛ ما مكن من معالجة مواضيع ثانوية سعى الباحث إلى تضمينها بين ثنايا أطروحته، من قبيل: صورة الآخر من خلال المسرح، المرأة والجسد في المسرح المغربي، المقدس والمسرح المغربي، المسرح بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية.
خصص الباحث الفصل الأول للحديث عن «العولمة الثقافية» تعريفا ومقاربة من خلال مبحثين يتضمنان محاور تقارب المفهوم باختلافاته المتعددة الناتجة عن تعدد المجالات العلمية والمعرفية، التي حاولت تحديده. أما الفصل الثاني فقد رصد فيه تجليات العولمة الثقافية بين فكرتي الحوار والصراع، مع ربط ذلك بالمجال المسرحي وبمكون الصورة خصوصا. في حين أفرد الفصل الثالث لتحولات الفرجة المسرحية الحديثة، من خلال مقاربة مباحث من قبيل: المسرح الحديث وتحولات المأساوي والمقدس، جمهور المسرح في زمن التحولات، اللحظة الجمالية وجمالية المسرح الحديث، المسرح المغربي: النقد المسرحي في زمن العولمة، تحولات الكتابة المسرحية. وخصص الفصل الرابع للمسرح المغربي، مع كل ما يتعلق به من متغيرات وثوابت، مركزا على راهنيته وعلى خصوصية التجارب الإبداعية الفاعلة فيه، وعلى ملابسات الفعل المسرحي في المغرب جملة وتفصيلا، من خلال مقاربة تحليلية لعرضين مسرحيين ولنص درامي معاصر، في محاولة لملامسة بعض المفاهيم الجوهرية التي تقوم عليها الأطروحة مثل: الدراماتورجيا ومسرح ما بعد الدراما.
وفي ختام عرضه أمام لجنة المناقشة، جدد الباحث التأكيد على أنه لم يعد بالإمكان الحديث عن مركزية مسرحية خالصة، لأن المسرح أصبح أكثر من أي وقت مضى فضاء ثقافياً مفتوحاً في كل الاتجاهات،‏ وأفقا مشرعا على كل الاحتمالات التداولية للتمظهرات الفرجوية بحمولاتها الثقافية الكونية.
تجدر الإشارة إلى أنه سبق لمحمد زيطان أن أنجز بحثا في الدراسات المعمقة بعنوان «المسرح بين النص والعرض: مقاربة لجماليات المسرح الغربي المعاصر» وآخر في الإجازة (الليسانس) موضوعه «المسرح والتجريب: مقاربة لعتبة التجريب في المسرح المغربي»، وله عدة نصوص مسرحية منشورة: «الغرباء»، «سيدة المتوسط»، «قصر البحر»، «صخور سوداء»، «إكليل الجبال الريفية» وهو نص حائز جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب.

الطاهر الطويل

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صله