فاضل سوداني يحلل العنف والفوضى المنظمة في مسرح شكسبير
fd

المخرج المسرحي يرى أن طغاة عصرنا يرفضون شكسبير لأنه العقل القادر على كشف خططهم السرية والمعلنة في العنف والتدمير والتخريب للذات والمجتمع.

أكد المخرج المسرحي د. فاضل سوداني في كتابه “العنف والفوضى المنظمة في مسرح شكسبير” الصادر حديثا عن سلسلة دراسات مسرحية بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة في 388 صفحة من القطع المتوسط أن العقل الشكسبيري الرؤيوي المركب جعل هذا الكاتب أن يكون أكثر معاصرة الآن، لأنه تخطى عصره وحضارته ليشخص لنا الخراب المنظم لعصرنا وعالمنا الحالي، وأن يحلل تلك النفس البشرية التي عالجها في مسرحياته وكأنه يحلل ويتحدث عن عنا نحن بالذات وفي زماننا الراهن.

ويتساءل سوداني هل يمكن تأسيس إنسانيتنا من جديد على ضوء تشخيص شكسبير، والذي يعد واحدا من أهم من عالجوا جماليات الفن والجوانب الاجتماعية وسيكولوجية الإنسان وعلى ضوء تحليل ما درسه وشخصه شاعر التراجيدات هذه المتخطية للزمن من شخصيات مأزومة، سواء كانت مازوخية ـ سادية أو فيشية عاشت مأساتها أو مأساتنا المعاصرة والتي أشّرت لنا على الجوانب الكثيرة من عقدنا السيكولوجية.

يحلل ويدرس سوداني الموضوعات والجوانب الإنسانية التي عالجها شكسبير في مسرحه برؤية نقدية تحليليلة سيميائية ـ بصرية ـ حسب رؤيته للتبصر الشكسبيري ـ متيقنا بأنه “مسرح حمل مستقبله وصوره وأحداثه العنيفة بين سطوره والتي اجتازت الزمن وفي ذات الوقت فإن المسرح الشكسبيري بمجمله هو القادر أيضا على تشخيص الكثير من جوانب مستقبل الإنسان الغامضة”.

ويضيف سوداني “من هذا المنطلق فإن هذه الرؤية تحتاج إلى بصيرة بحثية قادرة على الكشف عن الأبعاد الخفية في الذات الإنسانية التي عالجها شكسبير، ولهذا أحلل مسرح شكسبير انطلاقا من الجوانب المهمة في التحليل البصري الذي نفترضه للنص والعرض المسرحي كرؤيا بصرية والتي ضمن مفهومنا النقدي مثل: السقطة والشعور بالكآبة، السقطة من أجل تكامل ذات البطل التراجيدي، القناع والمرأة المرائية، الأسلبة والاختزال في الحدث وذات البطل، شيزوفرينيا الذات في أنثى الأنثى، الإيمان المطلق بخراب الوجود، العبث أو التغريب، الغروتسك الشكسبيري المتفرد ، العنف وهستيريا الروح، التأويل المضاعف أو تأويل التأويل”.

ويوضح سوداني أن “السقطة أي المفارقة الملتبسة والغامضة التي تفاجئ وتغري البطل وتشوش عقله وتحوله إلى كائن مهووس لتحقيق سقطته حتى نهايتها أو تكامله الذاتي بعد أن تتلبسه الأوهام، فيظل مأخوذا بالنبوءات ومدفوعا بالقدرة السحرية لتعاويذ رسل الانتقام أو ملائكة الرحمة، أو مدفوعا بأوهامه وطموحاته الشريرة أو قراراته التي تبدو أبدية أو تردده الوجودي في اتخاذ قرار. فتتحقق سقطة البطل لتتحول إلى لعنة نهائية تشله تماما، فيلتبس عليه الكون والعالم المحيط ومن ثم يسقط في التيه وكأنه ذبيحة مدنسة لكنه بهذا تتكامل ذاته”.

ويقول سوداني حول المفهوم الشكسبيري للعدالة “كما في الأحلام الكابوسية أو في لحظة زمنية متوقعة يكون للتطهير والصحو المفاجئ بعد كابوس البطل وانغماره في الفوضى المنظمة ضرورته، ولا بد أن يأتي منقذ لوضع حد للخراب وإنقاذ العالم من عنف وقسوة وجنون ماكبث أو ريتشارد الثالث أو شرانية ياجو أو من نكران الأبناء، وحلم لير الملك الهرم بأبدية السلطة وجعلها تنتقل بين الأبناء الذكور كالكرة، أو من قسوة تقاليد الأسلاف والعوائل كما في روميو وجولييت أو انقاذنا من ظلم الأخ الذي قتل أخاه كما في هاملت. إذا لا بد من تحقيق العدالة حتى وإن كان على خشبة المسرح فهو العالم الأكثر حقيقة وعدالة من الواقع. هذا هو المفهوم الشكسبيري للعدالة”.

ويلفت “لذا فإن طغاة عصرنا يرفضون شكسبير جهارا لأنهم يخافونه أولا وثانيا لأن العقل القادر على كشف خططهم السرية والمعلنة في العنف والتدمير والتخريب للذات والمجتمع على مختلف الأزمنة، ولكنهم يحبذونه ويشيدون بعبقريته سرا عندما ينفردون مع أنفسهم.

وبعضهم لا يستغني عنه فيعتبر مسرحياته قاموسا للتعرف على أساليب التعذيب النفسي والمؤامرات وأساليب التخلص من الأعداء، والتنكيل بهم ومثل هؤلاء لا يندهشون من حجم العنف في التراجيديا الشكسبيرية، لأن ما يجري في ممالكهم وجمهورياتهم أكثر عنفا وقسوة من مثل هذا العنف التراجيدي الشكسبيري، لكنهم مع هذا يتعلمون منه، لأنه أيضا يشفي غليلهم في شيئين مهمين في حياتهم وهما: القسوة والعنف أولا وثانيا هو: المازوخية في حياة طغاة عصرنا. وقد حقق لير الآسيوي الكثير من الكشف عن وسائل التعبير عن هذا العنف والفوضى المنظمة”.

ويرى سوداني أنه بالرغم من أن موضوع هاملت استخدم سابقا من قبل مؤلفين آخرين، إلا أن شكسبير جعل من هذه المأساة موضوعا متفردا لم يسبقه إليه أحد، فهو لم يملأ مآسيه فقط بالدماء لإثارة المتفرج كما كان سائدا في عصره ـ إذ لم يهمه انتقام هاملت مثلا ـ وإنما جعل تردده في تنفيذ الانتقام وحالته النفسية وسيلة لمعالجة مشكلة الذات إزاء عالم عبثي عنيف يفرض على هاملت أن “يفقد القدرة على التنفيذ وهو في أشد العزم”.

ومن خلال هذه المأساة ناقش شكسبير هذا الغموض الذي يكتنف دواخل الذات في علاقتها بالآخر. فالحياة هي حديقة اعشوشبت ونتنت رائحتها كما يقول هاملت، لذا أصبح من الضروري معالجة كل هذا الغضب والعنف والفرح والحب والكره بلغة قادرة على الكشف عن سر غموض الحياة والموت وعلاقة الإنسان بهما. لغة فيها كثير من الصور والاستعارات الشعرية التي ميزت هذه المسرحية مما جعل تكاملها أكثر متانة”.

ويشير سوداني إلى أن المظهر والقناع يعتبران أحد أهم الأساليب الشكسبيرية التي يشخص من خلالها مفهومه الفلسفي عن البطل وعصره، لذا فإنه يردان كثيرا في مسرحياته فمن خلالهما يظهر الحساسية السيكولوجية لمختلف الأزمنة بما فيها زماننا الذي يأخذ فيه الخداع مظهر الرحمة، والحقد والفساد يتقنعان بالفضيلة، ومن خلال إمكانية التلاعب وتبادل الأدوار هذه تتكشف أخطر أساليب ووسائل التدمير والخراب والتآكل الذي يعم حياة الإنسان ووجوده وماهيته وينعكس هذا على الأمم والشعوبي وخاصة سلطاتها غير الشرعية:

“فالمظهر قليلا ما يتفق مع طوية القلب، بل إنه قد لا يتفق معها أبدا” ويأسف شكسبير أحيانا لأن “الخارج يتخذ هذا المظهر الرحيم، ويستثير الحقد الدنس تحت قناع من الفضل”، وهذا ينطبق أيضا على الكآبة التدميرية والإحساس باليأس العدمي الذي هو مرض بعض أبطال شكسبير، كما في ريتشارد الثالث وماكبث وكذلك الملك لير.

وبهذه المتناقضات يختزل شكسبير الأزمنة من خلال مجمل شخصيياته مثل ياجو، والملك كلوديوس ولير وماكبث ويوليوس قيصر وكيلوباترا وماكبث وجورنيل وريجن وغيرها.

يتكون الكتاب من مقدمة وثلاثة أبواب: الأول “سقطة البطل الشكسبيري في الفوضى المنظمة لعصرنا”، والثاني “أحلام شكسبيرية في الفضاء البصري”، والثالث “رؤى شعرية ـ بصرية عن أبطال شكسبير”.

يذكر أن د. فاضل سوداني يعتبر أحد أهم المسرحيين العرب، يحمل دكتوراه في الإخراج والعلوم المسرحية، وقد عمل مخرجا مسرحيا وممثلا لسنوات طويلة في الكثير من المسرحيات العربية والعالمية.

من أعماله المسرحية ”الرحلة الضوئية” و”النزهة أو النار المتوحشة” و”أغاني جلجامش” و”النزهات الخيالية”، فاز بجائزة الهيئة العربية للمسرح للتأليف المسرحي لفئة الأطفال لعام 2010/2011 عن مسرحية “مريم والنسر الذهبي”.

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صله