تونس

خصّص مهرجان دوز الوطني للفن الرابع، في دورته السابعة ندوته العلمية، لموضوع «المسرح والتحولات التاريخية» وهو موضوع تفرضه معطيات اللحظة ، بحسب مسيّر الندوة نور الدين بن الطيب والدكتور محمود الماجري والدكتور وحيد السعفي والدكتور بوبكر خلوج والشاعر والمؤلف المسرحي محمد العوني والمسرحي المغربي عبد الحق زروال قدموا مداخلات في هذا الشأن بالمكتبة العمومية بدوز الجنوبية في الرابعة مساء من يوم 7 أفريل 2012.
أي نظرة نسلطها اليوم على فننا? وأي تقنية وأي نظرة يسلّطها الباحث على الفنون والاجتماع? لماذا المسرح ولماذا يصلح? وأي دور له في هذه المتغيرات? وهل التغيير هو شأن مجتمعي?
هي أسئلة طرحها الدكتور أبوبكر خلوج في بداية مداخلته، ملاحظا أن الممثلين هم أطراف اجتماعية: مواطنون، آباء، اخوة متفاعلون بالضرورة مع بقية النسيج الاجتماعي المحيط بهم. في كثير من الحالات هناك قطيعة بين المهني والمحيط الذي يعيش فيه ، لا يمكن أن تتواصل اذا أردنا أن يسترجع المسرح وظيفته الأولى، التي هي الجمع، بحسب الدكتور خلوج، إذ أن المسرح من أنجح قنوات التواصل وعبره تمر جملة من التعلمات الأساسية حول الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ، لأنه لا يتوجّه إلى العقل والمنطق فقط، بل يتوجه إلى المشاعر أيضا.
الدكتور محمود الماجري ، ذكر في بداية مداخلته أن التحولات التاريخية، التي يفهمها بمعناها الفرنسي mutations، هي فجئية (الثورات) وتتم شيئا فشيئا على مستوى الذهنيات والتشريعات والسلوك الاجتماعي. وذكر الدكتور الماجري بأن تاريخ المسرح التونسي كان تاريخ مقاومة منذ سنة1909، إذ سمح للمرأة بالوقوف على الركح إلى جانب الرجل.
وفي تلك الفترة كان حضور المرأة في المسرح شيئا ثوريا، لأننا نسمع اليوم لغة أخرى مغايرة، وأشار الدكتور الماجري إلى أن موضوع الندوة يدل على حيرة لدى الفنان المسرحي، الذي عليه أن يجيب على جملة من التساؤلات (ماذا بقي لي أن أقول ? وأين مكاني ? وما هي المواضيع التي أقدر أن أغيّرها?).
عدم الاجابة يعني أن المسرحي سيكون خارج التاريخ وخارج المجتمع.
لست متفائلا، قال الدكتور الماجري، ملاحظا أن المسرحي التونسي ، لا يزال يتعامل بتقليدية مع الحراك الاجتماعي ، كما أن المنظومة الحالية للشأن الثقافي كأنّها لم تتغير، وفي هذا السياق لاحظ الماجري أن ما قامت به جمعية خريجي معاهد الفنون الدرامية في توزر استشرافي وهام جدا إذ تحولت بالمسرح إلى الشارع وفكرت في فرقعة مكان العروض المسرحية.
كما أن وضع فرقة بلدية دوز للتمثيل استثنائي فثمة ترابط بين الأجيال وهاجس ينجز بصمت ، لا يمكن تصديره إلى مكان آخر، ويجب المحافظة عليه.
وختم الدكتور الماجري بالقول أنه لا يمكن أن يكون هناك مسرح متقدم وسط أدب رديء أو موسيقى رديئة وأنه ثمة ضرورة لفهم طبيعة مجتمعاتنا وأن يموقع المسرحي نفسه.
الدكتور وحيد السعفي ذكر في مداخلته ان المسرح عشق تبدّى عند اليونان عالما تراجيديا جميلا، عشقا للحياة الدنيا، عارضوا به شيئا اسمه دين، مضيفا ان هناك صراعا بين المسرح والدين مر بثلاث مراحل كبرى:
المرحلة الاولى نظّر لها ترتوليان، الذي اعتبر ان المسرح وفنون السرك هي من عمل الشيطان، وان الفن الذي قام عليه رب سكير عربيد (دينزوس) وربة جميلة غامضة (فنيس)، لا يمكن ان يكون فنا وثقافة للمسيحية الناشئة.
المرحلة الثانية: نظّر لها القديس اوغسطين ، الذي كتب نصوصا جميلة تنظيرا للمسرح وفتح امام الكنيسة ابوابا جديدة وطرح امكانية استغلال هذا الفن ليصبح فنا دينيا.
المرحلة الثالثة هي مرحلة موت المسرح وسيادة المسرح الديني الى حدود القرن 16، ساعة نهاية ما يسمى العصور الوسطى،وقد اشتغل هذا المسرح على حياة المسيح وعلى القصص الديني.
ولاحظ الدكتور السعفي انه كلما طرأ طارئ تاريخي، تغير وجه الدين ووجه المسرح، واصفا ما يحدث الان في تونس وفي البلاد العربية، بأنه تغير اجتماعي وثورة اجتماعية، لا علاقة لها بالفن وبالدين، وان من يحاول ان يركبها الان هما الفن والدين.
المسرحي المغربي عبد الحق زروال، قال في البداية ان المثقف المبدع، لا يمكن ان يكون مجرورا، وان مكانه هو في مقدمة القاطرة.
ووصف عبد الحق زروال، المرحلة بأن الواقع فيها اصبح اكثر غرابة من الخيال،اذ لا يمكن الان تقديم عمل تراجيدي في سوريا فما يحصل فيها أكثر تراجيدية من الخيال. كما لا يمكن ان تضحك ايضا لأن الواقع لا يحمل الفكاهة،واضاف عبد الحق زروال بأن على المبدع ان يدخل مرحلة «الراحة البيولوجية» كما يسميها الصيادون، فنحن في مرحلة غليان وفي مسرحية يمثل فيها الكل ولا احد يعرف نهايتها.
ولاحظ ان ابداعات المسرح العربي كانت ردود فعل ابداعية، متمنيا ان نبدأ مرحلة يكون فيها المسرح فعلا وليس رد فعل زائف وختم بالقول انه مهما حصل فإن المسرح بخير في ظل الاكراهات الدينية والسياسية.
الشاعر والمؤلف المسرحي محمد العوني شدد في مداخلته على ضرورة تناول التحولات التاريخية، من جانب الجغرافيا، فالمسألة ليست تاريخية فقط، بل هي تاريخية في جغرافيا معينة.
وتساءل العوني عن مدى حضور المسرح في النسيج الاجتماعي؟ وهل هناك تواصل بين هذا المسرح وبين الناس؟
ولاحظ ان التونسي اليوم مربوط بكابل، وان التلفزيون اليوم يشكّل خطورة على المسرح وذكر مثال برنامج المسامح كريم، الذي اعتبره مسرحا مباشرا.
واضاف العوني ان المسرح كائن سلحفاتي، يتطور ببطء ويأخذ من الفنون جميعها، كما انه كائن ديناصوري، لم ينقرض ولم يتضرر وسط التحولات التاريخية، همه ان يبني المدينة.
وشدد العوني على ان المعركة الحقيقية اليوم هي معركة من اجل المدينة والاختلاف والعيش المشترك، وان هذه المعركة تخاض على اكثر من جانب (تشريعا، فضاءات..).

تعليقات

تعليقات

مقالات ذات صله